القراءة والكتابة والفهم
Text size
Available in العربية only.
يصبح معلمو المرحلة الثانوية أكثر حرصًا على دمج استراتيجيات القراءة والكتابة في عملية التدريس عندما يدركون كيف يمكن لهذه الاستراتيجيات أن تدعم أهدافهم من أجل استيعاب الطلاب.
لماذا لم يصبح مفهوم القراءة الثانوية -والمعروف أيضا بـ"القراءة والكتابة عبر المنهج الدراسي" و"قراءة وكتابة المحتوى الدراسي"- متأصلًا بشكل أفضل في مدارسنا؟ أحد الأسباب هو إحجام يمكن تفهمه بين معلمي المرحلة الثانوية عن اعتبار أنفسهم مدرسي قراءة أو كتابة.
يعتبر معلمو المرحلة الثانوية أنفسهم أولًا وقبل كل شيء معلمي مجالات دراسية بعينها مثل العلوم، والتاريخ، والرياضيات. فعندما نطلب منهم دمج القراءة والكتابة في تدريسهم، يبدو الأمر وكأننا نطلب منهم تدريس محتوى إضافي. ونتيجة لذلك نحصل على ردود أفعال على غرار "هذه ليست وظيفتي" أو "ليس لدي وقت"، أو "لمَ لا يفعل مدرس القراءة ذلك؟" (جاكوبز ووايد،1981)
كي يطبق معلمو المواد مبادئ وممارسات القراءة والكتابة الثانوية، عليهم أولًا الاعتراف بالقراءة والكتابة كعمليتين لصياغة المعنى تستطيعان دعم أهدافهم التعليمية، لاسيما تلك المتعلقة باستيعاب المحتوى.
بالتأكيد سيتفق معظم المعلمين على أن مساعدة الطلاب على استيعاب وفهم ما له دلالة -فيما يتعلق بمحتواهم الدراسي- هو غاية جوهرية لتوجيهاتهم. ماذا نعني حقًا حين نقول بأننا نريد من طلابنا أن يفهموا؟ الفهم هو أكثر من "الفعل" أو "المعرفة": ربما يُجري الطلاب مسائل الضرب أو يعرفون بعض الحقائق التاريخية دون فهم الكثير منها. الفهم هو عملية حل للمشكلات تشمل استخراج معنى من المحتوى. جزئيًا، يتضمن التدريس من أجل الإفهام اختيار موضوعات يستطيع الطلاب من خلالها إيجاد مداخل لاستيعابهم، وإخبارهم مباشرةً بما وراء ذلك من أهداف، وتطوير تقييمات تسمح لهم بإظهار ما فهموه (بيركينز وبلايث، 1999). تُوفر مبادئ وممارسات القراءة والكتابة الفرعية وسيلة يستطيع الطلاب من خلالها الانتقال من فهم الأهداف إلى البرهنة على استيعابها.
القراءة من أجل التعلم كوسيلة للاستيعاب:
الفرق بين القراءة في المدرسة الابتدائية والثانوية هو الفرق بين تعلم القراءة واستخدام القراءة للتعلم (تشال،1983). يتعلم الطلاب القراءة خلال الصف الثالث تقريبًا، ويصبحون أكثر دراية بالمهام التي يلعبها تعلم القراءة والكتابة في سياقات متعددة، كما يبدؤون في إدراك قيمة القراءة، والمتعة التي يمكن أن تمنحها إياهم، فهم يكونون مفرداتهم ويكتسبون معرفة تصورية، ويتعلمون علاقة الحرف بالصوت، والعلاقة بين اللغة الشفهية والمكتوبة، ويمارسون المهارات اللازمة ليصبحوا قراءً تلقائيين، وفصحاءً قادرين على تناول نصوص القراءة الثانوية الأكثر تخصصًا وتقنية. (شال، 1983. شال وجاكوب، 1996. جاكوب، 2000)
خلال الصف الرابع تقريبًا، يبدأ الطلاب في استخدام هذه المهارات في القراءة المبكرة من أجل التعلم. القراءة من أجل التعلم هي عملية تتعلق بصياغة للمعني، وحل للمشكلات، والفهم. والعملية التي يشرع الطلاب من خلالها في فهم جزء من نص ما تسمى "إحاطة". كي يُركّز الطلاب على الإحاطة بالمعنى، يجب على المعلم عرض النص كأحجية، أو معضلة، أو إشكالية يمكن حلها. الإحاطة بالمعنى هي عملية من ثلاث مراحل يُشرِك المعلمون من خلالها الطلاب في أنشطة حل المشكلات والتي هي بمثابة عوامل مساعدة (برونر، 1975) - بين القارئ والنص، وتنقلهم من مرحلة عملية الإحاطة إلى المرحلة التي تليها.
المرحلة الأولى: ما قبل القراءة
في كثير من الأحيان، قد يأتي قارئ المرحلة الثانوية المجتهد إلى الصف ويقول " لقد قرأت واجب الليلة الماضية، ولكنني لا أذكر أي شيء عنه (ناهيك عن فهمه)!". جزئيًا، يعتمد مدى تذكر أو فهم الطلاب للنص بنجاح على مدى وضوح تجهيز المعلمين لهم ليقرأوا النص من أجل أغراض محددة.
أثناء مرحلة ما قبل القراءة، يساعد المعلمون الطلاب على تنشيط وتنظيم "المعطيات": المعرفة الخلفية والتجربة التي سوف يستخدمونها لفك غموض النص. تشمل "المعطيات" السياقات الثقافية وتلك المستندة علي اللغة الخاصة بالطلاب وتحيزاتهم (على سبيل المثال، المستمدة من نجاحات وإخفاقات سابقة أثناء التعرف على الموضوع)، والمعرفة الواقعية والتصورية ذات الصلة التي اكتسبوها من الخبرة اليومية والدراسة النظامية.
عندما يعرف المعلمون ما الذي يضيفه الطلاب إلى قراءتهم، يستطيعون حينها اختيار الاستراتيجيات التي تعمل كعوامل مساعدة مؤثرة بين "المُعطى" و"الجديد" من النص بشكل هادف -توضيح المفاهيم والمفردات غير المألوفة، ومساعدة الطلاب على توقع النص، ومساعدتهم على خلق ارتباطات شخصية معه- وبالتالي تعزيز اهتمامهم، واندماجهم، وتشويقهم. (جاكوبز، 1999)
يمكن أن تتضمن أنشطة ما قبل القراءة العصف الذهنى، والخرائط المعرفية الخاصة بالخلفية المعرفية للطلاب (باستخدام خرائط المفاهيم، أو تجميعات فكرية، أو شبكات)، أو تمارين الحذف (والتي يحاول الطلاب خلالها إعادة تسكين المفاهيم والمفردات المهمة التي قام المعلم بحذفها من النص كي يلفت الانتباه إلى تلك النقاط). كذلك يمكن أن يطور المعلم أو الطلاب أسئلة من خلال الكتابة الهادفة أو النقاشات التفاعلية، مثل "ماذا أعرف بالفعل وما الذي أحتاج معرفته قبل القراءة؟" أو "عمّا سوف تكون هذه الفقرة حسب اعتقادي استنادًا إلى رؤوس الموضوعات، أو الخرائط، أو الصور؟" (جاكوبز، 1999، صفحة 4. 2000، صفحة 38). أنشطة كهذه لا تُعِدّ الطلاب لفهم النص فحسب، بل تساعدهم على بناء مفرداتهم ومهارات المطالعة الخاصة بهم أيضًا.
المرحلة الثانية: القراءة الموجهة
أثناء القراءة الموجهة، يمد المعلمون الطلاب بالوسائل المنظمة لدمج خلفيتهم المعرفية التي يأتون بها للنص مع المعرفة الجديدة التي يوفرها لهم النص. وكذلك يفحص الطلاب النص بدقة فيما وراء معناه الحرفي من أجل فهم أعمق. كما يراجعون أسئلتهم المبدئية وتنبؤاتهم، ويبحثون عن أجوبة تمهيدية، ويجمعون، ويرتبون، ويحللون، ويصنعون أدلة، ويشرعون في صنع تعميمات وتأكيدات حول فهمهم الجديد الذي يريدون التحقق منه أكثر (جاكوبز،1999; سكالا،2001).
أنشطة القراءة الموجهة المشتركة تتضمن الكتابة الموجهة (مثل مدونات الاستجابة وأدلة المذاكرة) والأنشطة التعاونية لحل المشكلات التي تُشرك الطلاب فى البحث فيما وراء المعنى الحرفي للنص. على سبيل المثال، يمكن أن يأخذ المعلمون الأسئلة الفعلية التي تقدمها النصوص في نهاية كل فصل ويقومون بتحويلها إلى أسئلة تستعلم عن كيف ولماذا تكون هذه الحقائق مهمة أو كيف تفيد المعلومات التي على الطلاب تحديدها في حل المشكلة التي يحاولون التعامل معها أثناء قراءتهم (جاكوبز، 2000). وكما في مرحلة ما قبل القراءة، أنشطة القراءة الموجهة تلك لا تعزز الإدراك فقط، بل تطور أيضًا المفردات ومهارات المذاكرة.
القدرة على مراقبة الذات غالبا ما تميز ما بين القراء الفعالين وضعيفى المستوى في سنوات الثانوية. وبالتالي، ربما تتطلب أنشطة القراءة الموجهة من الطلاب التفكر مليا في عملية القراءة نفسها: للاحتفاظ بسجل للعمليات يرصد كيف تؤثر خبرتهم وخلفيتهم المعرفية على فهمهم للنص، وأين تخبطوا في قراءتهم، والأسباب التي أدت لذلك، وما لديهم من أسئلة للمؤلف أو للنص لتوضيح مدى تنامي فهمهم. يمكن للمعلمين حينها استخدام تلك الانعكاسات ليقرروا ما إذا كانوا يحتاجون أن يكونوا أكثر وضوحًا فيما يتعلق بإستراتيجيات قراءة محددة يجب على الطلاب استخدامها لفهم نصوصهم.
المرحلة الثالثة: ما بعد القراءة
أثناء مرحلة ما بعد القراءة، يمنح المعلمون الطلاب فرص اتخاذ خطوة للوراء واختبار صلاحية فهمهم المبدئي للنص. علي سبيل المثال، ربما "يصدق" الطلاب في تأكيدات أحدهم الآخر أو "يشكون" فيها في ضوء برهان من داخل أو خارج النص. وبذلك، يساعد الطلاب أقرانهم على مراجعة وتقوية حججهم، كما يتمكنون من التفكر في حججهم وتحسينها.
الإحاطة بالقراءة وفهمها
تصف مراحل التعليمات في الاستيعاب القرائي -ما قبل القراءة، والقراءة الموجهة، وما بعد القراءة- بشكل أساسي كيف يمكن للطلاب الانتقال من فهم هدفهم إلى البرهنة علي فهمهم. يمكن لتلك الرؤية أن تساعد المعلمين على النظر إلي هذه الاستراتيجيات كوسيلة لتحقيق هدف الفهم الذي يرتكز على المحتوى نفسه، عوضًا عن اعتبارها أنشطة إضافية ببساطة.
الكتابة من أجل التعلم كوسيلة للفهم:
أهداف الكتابة في المدرسة الثانوية
في أغلب الأحيان، نستخدم الكتابة في المدارس الثانوية بطريقتين، وغالبا ما نستخدم الكتابة كوسيلة لتقييم مدى تمكن الطلاب من المحتوى أو من الصيغة المكتوبة. وقليلا ما نستخدمها كوسيلة لإشراك الطلاب في العملية التعليمية.
أما بالنسبة للتعلم، ففعل الكتابة يوفر تأريخًا لأفكارنا، والذي يمكننا فيما بعد من تصنيفه، وتجسيمه، وتعديله، والبناء عليه، ويساعدنا على أن نكون منغمسين في أفكارنا وفي التعلم. تشكل الكتابة من أجل التعلم التفكير وتوسع مجاله مما يعمق الفهم في النهاية. وكما هو الحال مع عملية القراءة من أجل التعلم، فإن الكتابة من أجل التعلم هي عملية صياغة للمعني.
علم التربية بالكتابة من أجل التعلم
توصل بحث أجري عن الطرق الأكثر فاعلية لتحسين الإنشاء إلى آثار إيجابية لاستراتيجيات مثل النماذج الأدبية، والكتابة الحرة، وربط الجمل، والمقاييس (تعرف أيضا بالمبادئ والعناوين). وسميت الاستراتيجية التي دعّمها البحث بقوة بـ"التحقق". (هيلوكس، 1986)
يتعامل التحقق مع عملية الكتابة كحل للمشكلات؛ وهو ما يمكن الطلاب من فهم ما يريدون قوله قبل البدء. ففي قاعة الدراسة المرتكزة على التحقق، يوجه المعلمون الطلاب من خلال تطوير تأكيدات ومجادلات متعلقة بهذه التأكيدات. يختارون إستراتيجيات توجيهية لمساعدة الطلاب على: 1) إيجاد وتعيين تفاصيل ذات علاقة بتجربة شخصية; 2) وتحليل واستقراء النص أو طرح تأكيدات تخصه; 3) واختبار صلاحية تعميماتهم، ومجادلاتهم، أو تأكيداتهم عن طريق توقع ومجابهة مجادلات معارضة محتملة (هيلوكس،1986).
عملية التحقق هي طريقة لاكتشاف شىء يستحق الكتابة عنه. الإستراتيجيات التي تستجيب لأهداف التساؤل المبنية على التأليف تشرك الطلاب في تطوير تفكيرهم استعدادا للصياغة (وهو يعرف أيضا بما قبل الكتابة). استراتيجيات الكتابة من أجل التعلم هذه يمكن أن تشمل كتابة حرة، وكتابة حرة مركزة، وكتابة سردية، وكتابة الاستجابة (مثل: يوميات الاستجابة، أو مستهلات، أو دفاتر جدلية)، وكتابة حلقية (الكتابة عن فكرة من منظورات مختلفة)، وكتابة حوارية (كمثال، مع مؤلف أو شخصية) (معهد بارد للكتابة والتفكير، إلبو وبيلانوف، 1989).
ومما لا يثير الاندهاش أن أنشطة الكتابة من أجل التعلم -أيضا معروفة بإستراتيجيات "الكتابة من أجل القراءة"- هي وسائل يمكن للطلاب من خلالها الاندماج مع النص بقصد فهمه.
العلاقة بين القراءة والكتابة والفهم

يوضح شكل (1) كيفية ارتباط القراءة، والكتابة، والفهم. العمليات الإدراكية المتضمنة في مراحل الإحاطة (ما قبل القراءة، القراءة الموجهة، ما بعد القراءة) هي فعليا ذات العمليات الإدراكية المتضمنة في مراحل التساؤل الثلاث التي تعزز تأليفا مؤثرا. تعتبر كل من القراءة من أجل التعلم، والكتابة من أجل التعلم أنشطة صياغة للمعني تؤدي إلى الفهم الذي يعد هدفًا أساسيًا لتدريس المحتوى، ويساعد كلاهما الطلاب على الانطلاق من فهم الأهداف إلى البرهنة على الفهم. نتيجة لذلك، إذا جعلنا طلابنا يخرطون جيدا في القراءة من أجل التعلم، نكون حينها قد أعددناهم لعمل مسودات على نحو جيد. علاوة على ذلك، نستطيع أيضا أن نستخدم استراتيجيات الكتابة من أجل التعلم لإشراك الطلاب في عملية ما قبل القراءة، القراءة الموجهة، وما بعد القراءة.
Share
Discuss it with AI
- Choose your preferred AI assistant.
- A new tab will open with a prompt prepared for this page.
- Press Send to begin exploring the page through dialogue, CILAS-style.



