Of Planetary Boundaries and Limitless Humans يُغلق التسجيل بعد
التفاصيل
كل المقالات

العربية٦ دقيقة

حول نشوء أبراج الحمام - مقدمة

Pigeon Towers

“بدلاً من هدر طاقتك من البداية كي تجعل الجامعة مجتمع من الدارسين، شكله بنفسك وقد تؤثر على المؤسسة من خلال ذلك، كما أنك ستصنع فارقًا عمليًا”

بول جودمان في سوء التعليم الإلزامي ومجتمع الدراسين

يستحضر مصطلح البرج العاجي صورًا لفرق جامعية مصممة بحرص وبشكل متماثل عادةً، وقلقًا بشأن الدوجمائية والطبيعة الشركاتية المتزايدة لمؤسسات التعليم العالي، وأسئلة حول صلتها بالمسائل العملية للحياة اليومية. في 1837، أبدى الكاتب والناقد الأدبي الفرنسي شارل أوجستان سانت-بوف اهتمامًا بالنزعة الفكرية السرية والمنعزلة للأبراج العاجية مقارنًا بين العيش على نمط الأبراج العاجية والعيش على طريقة الانخراط الاجتماعي، كما مثلها في وقته في شخص فيكور هوجو، واليوم، ربما أصبحت غاية الأبراج العاجية متنازع فيها أكثر من ذي قبل، لأنها أصبحت معادلة للنظام الجامعي أو ربما بصورة أكثر سخرية مع “التحالف الصناعي الجامعي”، ومع تحول التعليم العالي لأن يصبح امتيازًا، ولم يعد حقًا بعد الآن، تحول النظام الجامعي. ويبدو أنه من الواضح بشكل متزايد أن الارتفاع في الرسوم الدراسية غير مرجح له أن يبقى عمليًا على المدى البعيد، فالدرجات الجامعية لم تعد تضمن الالتحاق إلى سوق عمل مُشبع أكثر فأكثر، وفي الوقت ذاته، نرى تغيرات تحدث في داخل الجامعة الحديثة وحولها، من بينها محاولات دمج التعليم المتصل بشبكة الإنترنت وغير المتصل بها، كما أن هناك جهودًا من أجل الاشتباك مع المجتمع الأوسع، هل ربما ما نريده هو صفة مجازية مختلفة للأبراج العاجية؟

“وأنت تحرّر نفسك بالاستعارات، فكّر بغيرك. مَنْ فقدوا حقَّهم في الكلام.”

محمود درويش

خطر لي التعبير المجازي برج الحمام للمرة الأولى بينما كنت أبحث عن اسم أعطيه للنشرة البريدية لمعهد القاهرة للعلوم والآداب الحرة (سيلاس). تأسس المعهد في صيف 2013 بغرض دعوة المتعلمين الكبار من أجل الاشتباك مع تقليد تعليم الآداب الحرة. كان اهتمامي كمؤسس أن تصبح تلك التجربة التعليمية أقل رسمية، وأعني بها الاعتماد، حيث أنها تهدف لخلق جماعي لبيئة تعليمية يمكن أن تساعد على البحث النقدي والتأمل الذاتي والتفاعل المديني.

عندما سجلت أول مجموعة في برنامج دراسي ذو بنية رخوة يعمل على امتداد فترة سنة أكاديمية، كان البرنامج ينقسم إلى ثلاث فصول دراسية: الفصل الدراسي الأول يؤدي دورًا تأسيسيًا، فيعرّض الطلاب إلى تواريخ وفلسفات الفن والعلوم المتنوعة، وبعض الأيدولوجيات الرئيسية في العصر الحديث، وكذلك المناقشات الحالية التي تدور حولها، ثم يُخصص الفصل الدراسي الثاني والثالث إلى الموضوعات التي تهم الطلاب والتي يمكن أن يدرسوها تحت إشراف الزملاء الأكاديميين المقيمين والزائرين. كما ينخرط الطلاب في مسارات الخدمة المجتمعية بالتوازي مع تدريبهم الفكري.

خلال السنوات الخمس السابقة، أتى الطلاب إلى سيلاس من كل مسارات الحياة والخلفيات المتخصصة، وتفاوتوا في الطموحات من تحويل المسار العملي إلى تطوير تقييم حكيم لتعقد العالم. في الأيام الأولى، سُئلت مرات متكررة كيف أرى سيلاس في سياق مشهد التعليم العالي الحالي، هل سيلاس تؤهل إلى التعليم الجامعي المصري أو بشكل ما تكمّله؟ العديد من الطلاب، وإن لم يكن جميعهم، الذين وجودوا طريقهم إلى سيلاس شعروا أنه ليس في الجامعة ما يستحق تكميله، وأنها ليست جديرة بالذكر، إذا لم تكن تجربة عقيمة تمامًا.

دعت سيلاس الطلاب من أجل المشاركة في مناقشات عفوية ومبنية على أسس نظرية على حد سواء في فصول تكاد أن تشبه الفصول التقليدية، واجتازت خطواتها الأولى في الأزقة الداخلية للقاهرة الفاطمية في حي الغورية، وشغلت مساحة كانت قبل ذلك توفر إقامة للباحثين، وقد كانت تلك المساحة بالفعل يبدو عليها كلا من الطبيعة السكنية والدراسية، فقد كانت تحتل موقعًا غير اعتياديًا في الدور الثاني في نهاية زقاق ضيق.

ترتدي ممرات الغورية النشطة كل شيء، من الملابس الداخلية والمنامات إلى الصنادل وأدوات المطابخ والأغطية، وكل شخص في الغورية يعلم عن سيلاس: من أصحاب المحلات إلى الباعة الجائلين على العربات القادمة من شارع الأزهر نحو الشرايين العميقة للغورية، وحتى سائقي الدراجات الذين يحملون أرفف العيش البلدي فوق رؤوسهم. وفي وسط كل تلك الفوضى نشأ مجاز “برج الحمام”، وقد جاء دليلاً لاستكشاف سبب وجود سيلاس وفاعليتها.

هناك خصائص ثلاث لتعبير “برج الحمام” المجازي يستحق أن ينظر إليهم بعين الاعتبار.

أولاً، يقر مجاز برج الحمام بأهمية تشكيل مجتمعات من الدارسين أو جماعات دراسية (وهنا أستخدم الصفتين بشكل متبادل)، لأن أسراب الحمام الحقيقية تنظم ذاتها بنفسها وتشكل جماعات شاملة وغير هرمية بطريقة مبهرة حقًا. ففي دراسة حديثة أصدرتها مجموعة الملاحة بجامعة أكسفورد في قسم علم الحيوان وجدوا أنه عندما يحاول قادة أسراب الحمام أن يعطوا زملائهم معلومات خاطئة بشأن وجهتهم في السفر، أن بقية السرب ينقلب عليهم مقتدين بحكمتهم الجماعية. تلك الحكمة الجماعية لأسراب الحمام التي أقترح أنها يمكن أن توجه جهودنا في إعادة تصور التعليم العالي.

يكشف بحث مجموعة ملاحة أكسفورد أكثر أن الحمام يظهرون مرونة في طريقة صناعتهم الجماعية للقرار، وأنهم يفعلون كذلك في المواقف التي يمكن أن يضطرب أداء السرب كله إذا لم يكونوا مرنين. فقدرة الحمام الداخلية على إظهار مرونة بنيوية وإعادة تشكيل القيادات الهرمية يمكن أن تساعد في تكوين مجتمعات من الدارسين.

يمكن أن تذكرنا أسراب الحمام بإمكانية وجود حكمة جماعية تعبر عنها الجماعات الدراسية مثل سيلاس

الخصيصة الثانية لبرج الحمام تنبت من إحساسها بالمكان، فقد قضت سيلاس سنواتها الأولى الثلاث في حي الغورية، وانتقلت من جانب من القاهرة الفاطمية إلى جانب آخر، وهي الآن تتخذ موقعها في حي درب اللبانة - حي شعبي وتاريخي في وضع غير مستقر. ولطالما كانت سيلاس بصفتها برجًا للحمام منغرسة في النسيج العمراني للقاهرة، وهي تواجه الآن جامعي السلطان حسن والرفاعي، وتشهد تأدية العبادات اليومية فيهما، وحركة التجارة واحتفالات الأعراس، ولعب الأطفال لكرة القدم وفرجة السياح للآثار التاريخية، وماعز يتجول يمينًا ويسارًا وطلاب سيلاس يأتون ويذهبون. حتى بعد انتقالها من حي إلى آخر، تظل سيلاس بيئة تعليمية مشكلة جماعيًا، حيث تصدر المعرفة وأصوات الضحك والغناء جماعيًا. أبراج الحمام تشعرك بالدفء والألفة المنزلية، مكان تشارك فيه وجبة سواء كانت مصنوعة من أفكار أو من طعام طازج حقيقي، مسكن تسير فيه حافيًا، ومساحة للتأمل. ما يجعل أبراج الحمام وانغراسها ساحرين هو أنهم يعترفون بالنقص وقابلية الخطأ. وهكذا تتحمل الاضطرابات وتتغلب على عدم الاستقرار من خلال بقاءها منفتحة على المفاجأت.

أبراج الحمام هي قطع هشة من بنية تحتية تقبع وسط جغرافيات لا يمكن التنبؤ بها وفي بعض الأحيان عدوانية

الخصيصة الثالثة لبرج الحمام هي أنها تؤدي وظيفة الجسر. فهي تربط بين التعلم النظري أو التدريب الأكاديمي والتعلم التجريبي المؤسس على أرض الواقع. يتشبك طلاب سيلاس بشكل نقدي مع النظريات بينما يسعون إلى تجذيرها في السياق المحلي على مستويات مختلفة وفيما يتعلق بأشياء مختلفة أيضًا. وكي أشرح المسألة من ناحية أخرى، فبرج الحمام الذي تمثله سيلاس يطفو في منتصف الارتفاع بين الشوارع والبرج العاجي الشاهق، وهي تحتل الطابق الأوسط الذي يقدم للطلاب هدوء الموضع المرتفع الذي يقدمه البرج، بينما لا يبعدهم تمامًا عن محيطه. وبعبارة أخرى، يسمح برج الحمام لكلا الأداء التأملي مثل الإيقاع الهادئ والبحث العميق المطلوب من أجل تنمية أداءً دراسيًا، والأداء المتجسد الذي يغذي سرعة البديهة وخلق روابط المطلوبة في تنمية الحنكة الشعبية. ففي النهاية، هي ربط بين دافع المرء الشكلي، أو نظام التعلم النظري، ودافع المرء الحسي، أو نظام التعلم التجريبي، في وحدة تجعل المرء يبدأ في اللهو. وما نحتاج إليه إذن هو ملعب، وهو ما يجسده برج الحمام ووجودها العائم.

أبراج الحمام تقدر أهمية التوازن بين التعلم النظري والتجريبي

الفكرة الكامنة خلف كتابة مجموعة من المقالات عن نشوء أبراج الحمام هي أن نتأمل سيلاس مستدلين بمجاز برج الحمام. أخذت هذه التأملات صورة الحوار بيني، بصفتي مؤسس سيلاس، والمؤلفين المساهمين، تن جي. ديكر، وسورتي سينغ، وإي-كاي جينج، وروبن فايس على مدار عدة أشهر. وبمعاونة منحة قدمتها لنا المجلس العربي للعلوم الاجتماعية ومولتها مؤسسة فورد، طلبت من المؤلفين المساهمين أن يطوروا بحوثًا فلسفية في صورة مقالات حول ما أسميته المبادئ الأساسية للبرج الحمام. عندما قدمت مجاز برج الحمام، لم أكن مهتمًا بإصلاح البنية الحالية للتعليم العالي ولا بتطوير موقف ضد الأبراج العاجية، بل بالأحرى قصدت ببرج الحمام أن أقدم دعوة للتفكير في التعليم العالي من وجهة نظر بنية تحتية مرسّخة بمبادئ تدعم تكوين جماعات دراسية وتأويها.

كل المؤلفون المساهمون في هذا المشروع فلاسفة أكاديميون. تخصص اثنان منهما في الفلسفة القديمة والاثنان الآخران في الفلسفة المعاصرة. وقد استئذنتهم في كتابة مقالات حول المبادئ الأساسية الأربعة، وهي التنوع والحميمية والجهل واللهو، والتي تنبثق من تجربة سيلاس وتستلهمها. تشكل مشروع كتابة تلك المقالات في النصف الثاني من 2017 أثناء المحادثات التي أقمناها حول الشاي وعبر تبادل رسائل البريد الإلكترونية معهم. وقد دعوت كل مؤلف منهم أن يتسعين بخبرته الفلسفية ومراسه المنهجي في اختيار شكل كتابتهم لها، فشجعت كلا من تن وسورتي لكتابة خطاب ومقال مازح على التوالي، وبينما يوضح الخطاب الأول فكرة التنوع والتمايز وأهميتهما بالنسبة إلى نشوء أبراج الحمام، يطرح المقال الثاني مبدأ اللهو ويربطه بالثقافة الشعبية في تأملاته. أما عن روبن وإي-كاي، فشجعتهما لكتابة حوارًا ومقالاً مؤلفًا من شذرات فكرية على التوالي، فقدم إي-كاي مساهمة حول مبدأ الحميمية، ووجهها الآخر من المساواة الجذرية، مستعينًا بأفكار جاك رانسيير، وسألت روبن أن تكتب حول مبدأ الجهل في صورة شذرات فكرية وتلقي ضوءًا على الطبيعة المتشظية للسعي خلف المعرفة.

مشاركة

ناقشه مع الذكاء الاصطناعي

  1. اختر مساعد الذكاء الاصطناعي الذي تفضّله.
  2. ستُفتح علامة تبويب جديدة، وستجد النص التوجيهي جاهزًا للاستخدام.
  3. اضغط على إرسال لتبدأ استكشاف الصفحة من خلال الحوار، على طريقة سيلاس.

اشترك في نشرة سيلاس

المقررات الجديدة والدعوات المفتوحة ومقالات سيلاس، في بريدك.

بضع مرات في السنة. يمكنك إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة.

سيلاسالعدد ١

١٨ أكتوبر ٢٠٢٦

Join CILAS's Spring semester of 2026

  • Spring 2026, Cairo